محمد بن جرير الطبري

19

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

حسان الأنباري ، فلم يزل كذلك حتى بلغ المعتصم الحال التي بلغها ، والفضل كاتبه ، ثم خرج معه إلى معسكر المأمون ، ثم خرج معه إلى مصر ، فاحتوى على أموال مصر ، ثم قدم الفضل قبل موت المأمون بغداد ، ينفذ أمور المعتصم ، ويكتب على لسانه بما أحب حتى قدم المعتصم خليفه ، فصار الفضل صاحب الخلافة ، وصارت الدواوين كلها تحت يديه وكنز الأموال ، واقبل أبو إسحاق حين دخل بغداد يأمره بإعطاء المغنى والملهى ، فلا ينفذ الفضل ذلك ، فثقل على أبى إسحاق . فحدثني إبراهيم بن جهرويه ان إبراهيم المعروف بالهفتى - وكان مضحكا - امر له المعتصم بمال ، وتقدم إلى الفضل بن مروان في اعطائه ذلك ، فلم يعطه الفضل ما امر به المعتصم ، فبينا الهفتى يوما عند المعتصم ، بعد ما بنيت له داره التي ببغداد ، واتخذ له فيها بستان ، قام المعتصم يتمشى في البستان ينظر اليه وإلى ما فيه من أنواع الرياحين والغروس ، ومعه الهفتى ، وكان الهفتى يصحب المعتصم قبل ان تفضى الخلافة اليه ، فيقول فيما يداعبه : والله لا تفلح ابدا ! قال : وكان الهفتى رجلا مربوعا ذا كدنه ، والمعتصم رجلا معرقا خفيف اللحم ، فجعل المعتصم يسبق الهفتى في المشي ، فإذا تقدمه ولم ير الهفتى معه التفت اليه ، فقال له : ما لك لا تمشى ! يستعجله المعتصم في المشي ليلحق به ، فلما كثر ذلك من امر المعتصم على الهفتى ، قال له الهفتى ، مداعبا له : كنت أصلحك الله ، أراني اماشى خليفه ، ولم أكن أراني اماشى فيجا ، والله لا أفلحت ! فضحك منها المعتصم ، وقال : ويلك ! هل بقي من الفلاح شيء لم ادركه ! ا بعد الخلافة تقول هذا لي ! فقال له الهفتى : ا تحسب انك قد أفلحت الان ! انما لك من الخلافة الاسم ، والله ما يجاوز امرك أذنيك ، وانما الخليفة الفضل بن مروان ، الذي يأمر فينفذ امره من ساعته ، فقال له المعتصم : واى امر لي لا ينفذ ! فقال له : الهفتى : أمرت لي بكذا وكذا منذ شهرين ، فما أعطيت مما أمرت به منذ ذاك حبه !